علي بن يوسف القفطي

58

إنباه الرواة على أنباه النحاة

وقال أبو الأسود : ما غلبني قط إلَّا رجل أخذت منه ثوبا بعشرين ، ومررت بجماعة سألوني عنه ، فقلت : أخذته بأربعين ، فلما وفّيت الرجل العشرين قال : ما آخذ إلَّا أربعين ، وهؤلاء الشهود عليك ! وقال ابن دأب ( 1 ) : بلغني أن معاوية قال لأبى الأسود الدّؤليّ : إن عليا - كرّم اللَّه وجهه - أراد أن يدخلك في الحكومة ؛ فعزمت عليك إلَّا أخبرتني أيّ شئ كنت تصنع في ذلك ؟ قال : كنت آتى المدينة ؛ فأجمع ألفا من المهاجرين وألفا من الأنصار ؛ فإن لم أجدهم أتممتهم من أبنائهم ، وأستحلفهم باللَّه الذي لا إله إلا هو : المهاجرون أحقّ بها أم الطَّلقاء ؟ فقال معاوية : إذن واللَّه لا يختلف عليك اثنان . وفي الصّدق نجاة حين لا ينجيك إحسان ( 2 ) وقال الزبير بن بكَّار : بلغني أن أبا الأسود الدّؤليّ قال لرجل هنّأه بتزويج : باليمن والبركة ، وشدّة الحركة ، والظفر عند المعركة . ورأى عبيد اللَّه بن أبي بكرة القاضي ( 3 ) على أبى الأسود الدّؤليّ جبّة رثّة ، فقال له : يا أبا الأسود ، ما تملّ هذه الجبّة ! فقال : ربّ مملول لا يستطاع فراقه ! فوجّه إليه بمائة ثوب ، فأنشأ أبو الأسود يقول : كساني ولم أستكسه ( 4 ) فشكرته * أخ لك يعطيك الجزيل وناصر ( 5 ) وإن أحقّ الناس إن كنت شاكرا * بشكرك من أعطاك والعرض وافر

--> ( 1 ) ابن دأب : هو عيسى يزيد بن بكر بن دأب . قال أبو الطيب اللغويّ : « كان ابن دأب يصنع الشعر وأحاديث السمر بالمدينة ، كما يصنع كلاما ينسبه للعرب » . المزهر ( 2 : 414 ) . ( 2 ) البيت للفند الزماني ، وهو في ديوان الحماسة ( 1 : 26 ) وروايته فيه : « وفى الشر نجاة » . ( 3 ) في خزانة الأدب ( 1 : 137 ) : أنه المنذر بن الجارود العبديّ ، وكان صديقا لأبى الأسود . ( 4 ) في تلخيص ابن مكتوم : « كساك ولم تستكسه » . ( 5 ) في خزانة الأدب للبغداديّ : « يأصر » . والبيت مع الروايتين في تاب التصحيف للعسكريّ ص 93 . وروى الحريريّ في درة الغواص ص 71 عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن طاهر قال : « اجتمع عندنا أبو نصر أحمد بن حاتم وابن الأعرابيّ فتجاذبا الحديث إلى أن حكى أبو نصر أن أبا الأسود الدؤليّ دخل على عبيد اللَّه بن زياد وعليه ثياب رثة ، فكّساه ثيابا جددا من غير أن عرض له بسؤال ، أو ألجأه إلى استكساء ، فخرج وهو يقول : كساك ولم تستكسه فحمدته * أخ لك يعطيك الجزيل وياصر وإن أحق الناس إن كنت مادحا * بمدحك من أعطاك والعرض وافر فأنشد أبو نصر قافية البيت ( وياصر ) ، يريد به : ويعطف ، فقال ابن الأعرابي : بل هو ( وناصر ) بالنون ، فقال له أبو نصر : دعني يا هذا وياصرى ، وعليك وناصرك » .